الشيخ الطبرسي
138
تفسير مجمع البيان
المعنى : ( لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار ) أقسم الله تعالى في هذه الآية ، لأن لام ( لقد ) لام القسم ، بأنه سبحانه قبل توبتهم وطاعاتهم ، وإنما ذكر اسم النبي صلى الله عليه وآله وسلم مفتاحا للكلام ، وتحسينا له ، ولأنه سبب توبتهم ، وإلا فلم يكن منه ما يوجب التوبة . وقد روي عن الرضا علي بن موسى عليه السلام ، أنه قرأ : ( لقد تاب الله بالنبي على المهاجرين والأنصار ) ( الذين اتبعوه ) في الخروج معه إلى تبوك ( في ساعة العسرة ) وهي صعوبة الأمر . قال جابر : يعني عسرة الزاد ، وعسرة الظهر ، وعسرة الماء . والمراد بساعة العسرة : وقت العسرة ، لأن الساعة تقع على كل زمان . وقال عمر بن الخطاب : أصابنا حر شديد ، وعطش ، فأمطر الله سبحانه السماء بدعاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم فعشنا بذلك ( من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ) عن الجهاد ، فهموا بالانصراف من غزاتهم ، من غير أمر ، فعصمهم الله تعالى من ذلك ، حتى مضوا مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم ( ثم تاب عليهم ) من بعد ذلك الزيغ ، ولم يرد بالزيغ هاهنا الزيغ عن الإيمان ( إنه بهم رؤوف رحيم ) تداركهم برحمته ، والرأفة أعظم من الرحمة ( وعلى الثلاثة الذين خلفوا ) قال مجاهد : معناه خلفوا عن قبول التوبة بعد قبول توبة من قبل توبتهم من المنافقين ، كما قال سبحانه فيما مضى : ( وآخرون مرجون لأمر الله أما يعذبهم وإما يتوب عليهم ) وقال الحسن ، وقتادة : معناه خلفوا عن غزوة تبوك لما تخلفوا هم . واما قراءة أهل البيت عليهم السلام : ( خالفوا ) فإنهم قالوا : لو كانوا خلفوا لما توجه عليهم العتب ، ولكنهم خالفوا . ( حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت ) أي : برحبها ، وما هاهنا مصدرية ومعناه : ضاقت عليهم الأرض مع اتساعها ، وهذه صفة من بلغ غاية الندم حتى كأنه لا يجد لنفسه مذهبا ، وذلك بأن النبي أمر الناس بأن لا يجالسوهم ، ولا يكلموهم كما مر ذكره ، لأنه كان نزلت توبة الناس ، ولم تنزل توبتهم ، ولم يكن ذلك على معنى رد توبتهم ، لأنهم كانوا مأمورين بالتوبة ، ولا يجوز في الحكمة رد توبة من يتوب في وقت التوبة ، ولكن الله سبحانه أراد بذلك تشديد المحنة عليهم في تأخير إنزال توبتهم ، وأراد بذلك استصلاحهم ، واستصلاح غيرهم ، لئلا يعودوا إلى مثله . ( وضاقت عليهم أنفسهم ) : هذه عبارة عن المبالغة في الغم ، حتى كأنهم لم يجدوا لأنفسهم موضعا يخفونها فيه . وقيل : معنى ضيق أنفسهم : ضيق صدورهم بالهم الذي حصل فيها ( وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ) أي : وأيقنوا أنه لا